صورة وتاريخ / 2
تعاظم الشأن حتى بلغ مراتب الانشطار . تنامي اليأس فكان الوباء على النفوس الأفتك والأخطر. تدرج العيب حتى انغمس الأزرق في الأصفر. تجمهرت صور المخازي تطارد مآقي الأبرار الأخيار ، من قاوموا بشجاعة الصابرين حتى لا يأخذ الدمع طريقه نحو الانهمار. تصدعت القيم ، والويل لمن رفع الأمر ، أو جهر بالخبر ، فالأيادي الطولي أقوى من أي لسان صدع ب : اللهم هذا منكر . أجل " العرائش" تعرف كل هذا و أكثر ، تتظاهر مرة بالانهيار، وأخرى وقد غالبها النعاس في أعز النهار. لكن الواقع يؤكد أنها تكاد (بما تعانيه) تفقد الصبر. كل الأحاسيس فينا تجمعت ، تناقش الوسيلة لنقل المشاهد إلى مرآة تعكس " نعم " لمن استحق ، و" بئس" لمن تعامى عن الحق ، حتى لا يبقى ما اختزن في الذاكرة مجرد بهرجة ظرفية لانسداد موصل الحدس عن القيام بالواجب لدى صحفي لا يملك غير الكلمتين المذكورتين سلاحا .. يشحنه بعيار الأولى حالما يكون الهدف: عمل صائب اكتمل ، أو إنسان خدم هذا الوطن ، أو حر صنع ما يرفعه للخير والذكر الحسن ، أو مسؤول لم يفرق في الحق بين الأغنياء والبسطاء .. أو يشحنه بعيار الثانية ، حينما يكون القصد : الإشارة إلى اللاطبيعي حتى لا يتم مع المفاسد أي تطبيع ، فيتخذ الحزم مكانته ويطبع بالأحمر أصحاب ذاك الطبع ، والسد المانع لحماقات الذئاب الضالة والتائه من الضباع ، وحتى يمضي بصراخ الصبية شغب الريح ويغيب النواح من حناجر بعض البشر ، ويتساقط الاصطناعي من الشجر تلك المستبدلة عناصر تركيبها من اللاشيء عوض الجذور ، وقبلها " العروق" ، وقبلها النواة ولكل قسمته من اللعنات ، بعدد الضائعين والمقذوف بهم ظلما لعذاب دور اعتلى جدرانها الصدأ وغطى بلاطها العراء . ومتى تمرغت الكرامة في الطين لا تبقى للنقود ( في أذني المعنيين ) أي رنين . الذين فهموا القصد نكرر لهم المقولة ، ليسوقوا اليأس قدامهم بدل جره من الخلف ، على الأقل سيشعرون بالتغلب على شيء في مقدورهم التغلب عليه ، عوض المجاهدة في زحف وأجسادهم مربوطة بالمذلة والهوان ، إذ لا خيرة قي من تغذى بنتاج الحرام ، ويتعشى بخطايا الإجرام ، بل خشبة يبقى ( مهما قصر أو طال الزمان ) أو قطعة فلين تتقاذفها مويجات اليم ، وكالتاريخ بلسم يشفي الظروف من داء " العربدة" فيجعلها بالعقل والتعقل تنصرف ، كالحق ميزان عدالة ينصف
... الخلاصة ، قلناها قبل بدء " هؤلاء " بتقديم الحساب ، وسمعنا من أجل البوح بها أعنف أنواع العتاب ، والآن نعيد كتابتها ونشرها ثانية ولا نخشى في ذلك نعيق حمير أو مكر ذئاب فلا فات الأوان ، ولا الأمل عاقد العزم للرحيل عن " العرائش " الآن ، إذ مهما تكاثر التذمر ، علنا أو بالهمس ، فغدا تشرق من جديد الشمس ، تبدد ظلم اليوم وظلام الأمس
نريد الملف
جلست مقابلة له لتنظر إليه بعينين تحول بياضهما لحمرة دم وفي وقاحة وعدم احترام تخاطبه
ــ اذهب واسرق واخضر لي المال . افعل كما يفعل أسيادك الرجال
فغر المسكين فاه من هول المفاجأة . لم يكن يتصور أن يسمع منها مثل الكلام اللامسؤول مع أول أزمة مالية يتعرض لها لأسباب لا تعود إليه ، بل إلى الحالة المهيمنة على البلد في كل المجالات أساسها الركود( المنبعث عن سوء تدبير المسؤولين )الذي ضرب الاقتصاد والتجارة عموما بصفعة مؤلمة ، سيعاني منها هو شخصيا كسواه من التجار زمنا ليس بالقصير. ودون أن يجيبها بما يشبه قساوة طلبها المجحف هرول خارجا وقد تدبر أمرا ذا بال . أحست المغرورة بارتعاشة زهو مصحوبة بابتسامة لم تكن في انبعاثها من دواخل سحيقة في وجدانها الباطني سوى رد فعل يعبر بطريقة خاصة على انتصار أولي حققته من موقعها اتجاه بعل تعترف في قرارة نفسها أنه ضحى بما كسب وأكثر من أجلها ، ولم تنتبه إلا وطرقات قوية على باب منزلها الخارجي الذي ما كادت تفتحه في عجالة حتى اصطدمت بنظرات والدها الحادة قبل أن يلج ليرتمي بجسده على أول أريكة صادفته في قاعة الجلوس .
ــ ما أصابك أبتاه ؟.
سألته وحب الاستطلاع الفوري يكاد يخنق أنفاسها ، خاصة وحالة والدها تدعو حقيقة للقلق وتظهر أن شيئا بليغ الخطورة أصابه.
ــ مصيبة وحلت على رأسي كالصاعقة . لا أدري بماذا أجيب السيد المحافظ لحظة تقديم الحساب ؟.
ــ " محافظ "؟ ، " حساب " ؟... ما هذا الهراء يا أبي ؟.
ــ هراء ؟
قالها وابتسامة ماكرة تطل عليها من ملامح وجهه المتألم في عمق وهو يستطرد
ــ أنت لا تعرفين " السيد المحافظ " وما عساه يلحق بي من أضرار لا أتخيل أنا نفسي أبعادها إن تمت
ــ أبي العزيز .. أرجوك .. أعصابي لا تستحمل أكثر .. ماذا ستخسر لو أخبرتني بالمشكلة ؟
ــ ما عساي أخسره أكثر مما خسرت فعلا
ما أن أنهى هذه الكلمات حتى وقف ليصرخ وبشدة في وجهها قائلا
ــ إنه زوجك الملعون . لقد حضر إلى بيتي .. فتح بابه بالمفتاح الذي سبق و أعطيتك إياه لتزورينني وقتما شئت . مباشرة صعد إلى غرفة نومي ، وبعد تكسيره الدولاب الخشبي بمطرقة أظن أحضرها خصيصا للقيام بهذه العملية الحقيرة ، استولى على مبلغ من المال وملف . وقبل انصرافه ترك لي في نفس المكان من الدولاب هذه الورقة المكتوبة بخط يده
(ما كاد يخرجها من جيبه حتى التقطتها من بين يديه لتقرأ بصوت عالي )
ــ اسمع يا صهري العزيز.. أنا اللص الذي سرق ما بدولابك من مال . فعلت هذا نزولا لرغبة ابنتك زوجتي المحترمة التي أمام أول أزمة مالية تعرضت لها بسبب أمثالك وأمثال سيدك " المحافظ" إياه ، طلبت مني وبكل وقاحة أن اذهب واسرق واحضر لها المال ، أن أفعل كما يفعل أسيادي الرجال ... فقلت في نفسي : إن كان ولا بد فلأسرق صهري العزيز فهو سارق وبامتياز . وإذا أبلغت الشرطة عني يا صهري العزيز سأقدم لهم الملف الذي عثرت عليه رفقة المبلغ المالي لتتيقن أن الحفرة التي حفرتها لي ابنتك ستكون أنت أول ساقط وسطها .
تسلم الورقة إلى والدها بيد مرتعشة من جراء الصدمة وقد تحول لون محياها من انتعاش حمرة مقبول إلى شحوب وعلامات ذهول سائلة والدها بصوت بالكاد يسمع
ــ وما يتضمنه الملف ؟.
ــ من جملة أوراقه واحدة تتضمن إقرارا بخط يد السيد المحافظ يؤكد لي فيه : سأشاركك ما تستولي عليه كقيمة مالية مأخوذة من صاحبنا كرشوة ، لذا تصرف كعهدي بك ، واعلم أن الوزير المعني موافق وبين يدي ما يثبت ذلك .
أنساهما الانسجام مع خطورة المشكلة دخول الزوج إلى البيت ولم ينتبها إلا وصوته يخاطب الزوجة : كم تريد من المال الذي سرقته وأحضرته لك يا زوجتي العزيزة ؟ يجيبا معا دون شعور
ــ نريد الملف.
مصطفى منيغ
لعنة عنوسة
لمحته من بعيد فتذكرت . لم يكترث بها، وهذا أمر حسبته طبيعيا، فقد ألفت منه التعالي والتحكم المفرط في كبت مشاعره منذ سنين وإلى الحين. تذكرت لما كانت وكان ، يمرحان بين الصبية والفتيان .. برعمان في بستان.. عينان في محيا ود ساد لزمان. تذكرت عهدا تبخر، وحبا أقبر، وتواصلا لم يعد بينهما حتى خبرا. تذكرت لما صفعها فتوردت وجنتها اليمنى المرتطمة بكف خشن ما رحم أنوثة ولا احترم أنث
ـــ شيء تافه حصل
تمتمت تبرئ نفسها مما ظنه وقع
ـــ لم يحتمل نظرة محرقة لطرف ثالث حضر بغثة
قالت بصوت مسموع هذه المرة معللة أحقيتها في الانصراف من حياته بغير هواد
ـــ لم يكن في وعيه فخاب في سعيه
حركت رأسها في إصرار لتؤكد على سلبية النتيجة التي حصدها بعد القرار الذي اتخذه جورا في حقها
ـــ وما نفعه الندم ، فرسائله الحبلى بالاستعطاف لم تشفع لعودته بالأحرى الارتباط ثانية ...
اصطنعت عنوة هذا "الشبه" إقناع حفاظا على كبريائها الغائر بين تقاليد وأعراف بالية ... المهم تذكرت إحدى الصور المؤلفة في وعيها الباطني شخصتها العنوسة كلعنة التصقت بحياتها مذ الساعة التي زارتهم في بيت العائلة " عرافة " نقشت في مخيلة الجميع : أن الفتاة ستظل عانس في الواقع الملموس ، مرتبطة في الخيال بما يقلب على نفسها " المواجع" تارة والمسرات أخرى
مصطفى منيغ
اجتماع الأتباع
بقلم : مصطفى منيغ
انتشر الخبر بسرعة بين القرى المكونة حزاما من البؤس والحرمان حول مدينة ينظر إليها من فوق سلم المسؤوليات كلها أنها القابلة للنماء السريع .. والتطور المروع ..واحتضان آلاف العطشى لترويهم من مشاريعها بعد " الخوصصة" .. وتأكلهم ما تسمح بها ديمقراطية آخر زمن كلما غضب الحاكم من ظاهرة الملتحين الغاصة بهم شوارعها. انتشر الخبر أن عبد الخالق ، الفلاح البسيط لكنه صادق ، سيؤسس حزبا اجتماعه التأسيسي سيكون على قارعة الطريق ، لتظهر أعماله منذ البداية وقد عمتها الشفافية والإعلام الخارق، ضربا لكل تقرير حارق ، من نتاج مخبر للهمسات سارق. ومع طلوع الفجر من يوم ملبدة سماؤه بغيوم( عسى القوم برؤيتهم لها يطمئنون بعضهم بعضا أن الجفاف لن يجتاح قريتهم .. ) وعبد الخالق يهم بالخروج من كوخه ذي المساحة المغطاة بشرائح الزنك المثبت بالوحل المطعم بالقش ، الذي ورثه عن والده ، وله من الوثائق الشرعية ما يؤكد ذلك .. اعترض طريقه ثلاثة أشخاص .. عرف أحدهم .. لم ينساه أبدا من ذاك الصباح الذي أجاب توسله للحصول على شهادة ميلاد ابنته التي سماها " حرية" (من تلك الإدارة التي كل ما فيها يعطى انطباعا أن الزمن تجاوزها بمراحل شتى وقعا وموقعا .. ) بنهره ودفعه كأنه حيوان أليف حضر لاستعطاف الحاكم أن يقذف نحوه ولو بقطعة رغيف جاف .. صائحا في وجهه غير اسم " حرية " إلى أي اسم آخر .. ما دامت " حرية " تسبب للسيد " الحاكم "حساسية تعكر نقاء دمه فيضطر إلى تصفيته خارج البلاد .. عند الأطباء الأفذاذ هناك بالضفة المقابلة من الأطلسي . سأل عبد الخالق الرجال الثلاثة : ــ أين تقودونني ؟... يجيبونه بصوت واحد: ــ للمثول أمام سيدي الحاكم ولما يسأل عبد الخالق من جديد، وقد بدت على سحنته أثار التشنج : ــ ولما ؟ ، ما السبب الذي يجعله يتصرف مع المواطنين القرويين مثلي ؟. يقاطعه أحدهم صارخا : ــ لأنك تريد تأسيس حزب سياسي بالقرية والقرى المجاورة ، وهذا شيء لا يقبل به سيدي الحاكم مطلقا .. إنك تخرق قوانين البلد .. وتستحق العقاب الشديد ، بل الأشد .... لم يستطع عبد الخالق إمساك نفسه من الغضب وبحركة لم يخطر على بال احد من الثلاثة رجال ما وراءها ، اخرج من تحت جلبابه الرث ساطورا ، ولم يفق من فعلته الخطيرة حتى مزق أوصال الثالث منهم أما الاثنين الآخرين فلم يجد أدنى صعوبة في تصفيتهما. انتشر الخبر بأسرع من الأول ، واجتمعت القبيلة لتشهد أنها قاتلة الجلادين الثلاثة، ولتكون حزبا في الهواء الطلق من أهدافه إحياء ذكرى عبد الخالق المختفي من صباح ذاك اليوم الملبد سماؤه بالغيوم ولترديد شعار : لا حاكم في هذا البلد دائم .. ما دامت القبيلة على موقف موحد صارم . كل هذا وقع والحاكم نائم .. مع الأحلام الوردية هائم .. وسط بستان ورود يمتص الرحيق وكل من حوله يراهم بهائم. وكل اجتماع والأتباع بألف خير كبيرهم كالصغير مصطفى منيغ
جمع الجميل بما هو جليل
أوراق غطاها حبر المطابع بغلالة من حرير نسج في بلاط " مهنة المتاعب" . أشكال تتحرك في الاتجاهات الأربع ، بلا تداخل في السبل ، ولا اختلاط في المسالك . شهب تتلألأ قبل اصطدامها بأرض الواقع ، كأحلام العذارى لا تنتهي عند مستحيل ، ولا تبقي مزلاج أي باب على حاله . أقمار لم تطأها قدمي إنسان ، ولم تحتضنها قصيدة شاعر . تخيلات لأفكار هيأتها الحرية لجدال مع الذات ومع الغير ، بقياس لا يزيح الوقار عن مثواه ، ولا يعكر صفو الأدب في وقفته الشامخة ..غير الحافل بعاملي الزمان والمكان . رسوم تصارع التقاليد الزاحفة من عهد " جوتمبرج " إلى الغد ، على شرفة الصحافة الهادفة . تبسم لكل إبداع . عشرات الصفحات ، ومثلها عشرات الأسماء، نتاج مبارك لمرحلة يطارد الركود فيها بسلاح الذكاء ، في وقت ارتفع ثمن الورق ، والحبر ، والآلة ، والطاقة . خواطر تشدو بالهمس أحلى النغمات ، وسطور تقذف الفكر بأغلى العبارات ، ويبقى الفراغ بينهما معلنا سلبيات ظرفية حتى لا تفقد البداية جمالية المجهود. شجرة تغذي ثمارها الإنسان والنمل ، والمقصود هنا الحجم ولا شيء آخر ، ما دمنا على استعداد لنقاش أطول، أما الباقي فنقش على الرمال، كلما هب الريح انمحى أثرها بلا هوادة ، إنما المهم خوض غمار التنفيذ . أمر متعب للعامة ، ميسور للصحفي المتمكن من صنعته ، من يتقبل صداع ألآت الطباعة وكأنها إيقاعات " سمفونية " لن يجود الفن بمثلها ، وضربات مطرقة المسؤولية على رأس مثقل بالتخطيطات والابتكارات ، كأقراص ضد "مرض" الراحة . كيلومترات من الأسطر ، توصلك لعوالم من الكتب المتباينة الاختصاص ، في تحول هو الطعام الأقوم ، والغذاء المتكامل الحراريات لكل عقل منطلق صوب البحث ، والتمحيص ، والاستنباط ، والاستيعاب في دنيا العرفان الرحبة اللامتناهية . انه العمل الصحفي . إكليل من الزهور يفوح عطرا شجيا ، ولا زالت الأشواق عالقة بما يلفه من عثرات تلزم سيلان المزيد من العرق . جمع الجميل بما هو جليل ، في نكهة ترضي المتتبع الساهر على التقاط الأنفاس الأدبية .. يحتم حضور العديد من الخصوصيات التي تدخل جلها في نسيج استمرارية العمل على نهج يوصل الفكر إلى مبتغاه بتوافق مع حركة التطور . ليس المهم الإتيان بحشد من صور جميلة القشور للانجراف مع انفعال خالي مع التمازج بالإلهام لتنمية العطاء الجيد عن الوافدين على قرع الأبواب من براعم وناشئة ، وليس ضروريا إبراز المتأجج ، ففي ذلك مضيعة للوقت . المطلوب تحويل الرؤى إلى نبض يزرع الحياة في الوسط الإنساني العام وبصدق . وهذا ما يجعلنا نمر من مرحلة إلى أخرى ، مركزين اهتماماتنا للترحيب بكل تعاون صحفي يريح البصر والبصيرة ، ويشارك تاريخيا في إثراء الخطوات الثابتة والسائرة نحو غد ثقافي فكري له الشأن الأكبر في إظهار ما تحلت به ملكات جمهرة من الأدباء عندنا في هذا الوقت .. أو هكذا أرى الأشياء ، فلست سوى صحافي يهوى الجيد إذا طرح في السوق .. وهذه أحاسيس شخصية تلزمني " مهنة المتاعب " أن أترجمها كلمات صريحة دون التمعن في تضاريس وجوه حفرها الغضب ، أو شروق محيا في صباح من الأمل والتفاؤل . الميدان زاخر بالألوان ، والأصناف ، والأقلام تتراكم .. والعملية في مجملها : انتقاء ما يكفل تواجد الأبعاد الثلاث : التثقيف ، والحضور الطويل المدى ، والتأريخ للمرحلة الفكرية الحالية .
مصطفى منيغ
النقابي الفاشل
حط الرحال بين بواسل الرجال وظن أنه الأذكى، سيجعل وجوده بينهم معلمة يتصيد بها غنيمة الشهرة. تركوه ليسخروا منه، فمن مدة لم يتذوقوا طعم الضحك بهذا الزخم.. أنستهم الجدية أن الحياة الدنيوية لحظة مرح بريء منزوعة من عناء سداد الرمق بالحلال. وهكذا أضحى المسكين ، وسط جو كسبه مزيفا عن غرور ، يحس أنه أسدى للمجتمع نضال نقابي محنك مقابل مظهر تصنعه عسى به يساير متطلبات العيش الذي ارتضاه ، وإن أقام أسسه على الافتراء ، والبعد عن الواقع بعد الأرض عن السماء . فتح مكتبا كل ما فيه غريب، كرسي من زبالة الحي مجلوب، وقرطاس حجب القدم عن هامشه العلوي بياض المعتاد فكساه تجهم لون تتقزز منه فئران قنوات المحل السفلي المجرورة بعبق روائح العفونة لرغبة الاستطلاع... في مغامرة لن تكررها ثانية، لفرارها بجهد جهيد من مخالب قطط استوطنت الموقع متشبهة بقرارات صاحبنا النقابي الفاشل.. النازح إلى الساحل .. بعد مكوث في الجبل بلا طائل. فتح مكتبا ، هذا صحيح . يتفوه بين الفينة والأخرى بألفاظ قريبة من تعار يف تطلق على الأعمال النقابية... ك "الملف ألمطلبي " مثلا، وهذا صحيح أيضا. لكن غير الصحيح .. أنه أعاد حقا لعضو في نقابته ، أو واجه (عن دراية) أي منعطف فاجتازه كما يجتاز النقابيون الحقيقيون صعابه وهم يحاورون من بأيديهم القرار ، وأيضا غير صحيح، أنه استطاع إقناع العمال في قطاعاتهم المتعددة أنهم منصفون لو التحقوا به وشاركوه مصاريف المكتب النقابي (واحسر تاه) من كراء وإنارة ولوازمه الشخصية من حلاقة وتطلع للاستجمام في " الغردقة "... لف الأزقة ذات يوم رافعا شعارا كتبه في "خرقة" كلما قرأه ملتفت إلى الوراء إلا ولعن الظرف حيث من هب ودب فتح لنفسه مكتبا نقابيا كمكتب صاحبنا النقابي الفاشل . فما كتب ما كان موجها للعقلاء ، فلو كان الأمر كذلك لأشبعوه ضربا ، لكن المكتوب ...على حمقى المدينة محسوب
" ـــ لا خيار لابن الدوار غير الانتظار
" ـــ لا انتظار لتحفيظ ثمن " الخيار
ـــ يا عمال الليل والضحى والنهار.. أضربوا عن الغوص في البحار والأنهار... أحد الظرفاء علق عما رآه من رجل فاغر فاه حامل اللافتة (إياها) : واسفاه .. حتى الخواء في هذا البلد رخصوا لملئه بالغباء. ولربما هذا جائز ، وليس عن تصوره أي لب عاجز ، حظي هذا النقابي الفاشل بالاستحسان وهو يخطب في اجتماع آخر زمن ، بما يرمز أن وقت الانحطاط النقابي حط هو الآخر حيث بواسل الرجال .. ليخسروا ما تبقى من عهود صال الحق فيها وجال، وليسخروا مما استوجب التعامل معه من استئصال للبال. مصطفى منيغ
إنها بلحمها وشحمها
امتلأت الحافلة بالركاب قبل إقلاعها بنصف ساعة ، ومع حرارة الطقس ، وتأثير أشعة الشمس الساطعة على النوافذ الزجاجية الموصدة ، والهيكل الحديدي المصبوغ بطلاء لن يقوى على امتصاص درجات حرارية معينة دون التعرض لذوبان مكوناته الكيماوية وما سينجم عن ذلك من رائحة تقارب ما يتصاعد عن مطاط ساعة احتراقه . مع كل تلك العوامل الخارجة عن إرادة السائق الذي حافظ على ميقات إدارة المحرك لتنطلق الحافلة بعدها مباشرة طيلة 10 سنوات بفصولها الأربع. ارتفعت أصوات الركاب مستعجلين التحرك خروجا من هذا الانتظار داخلا ما تخيلوه كوخا قصديريا انحبست فيه أنفاسهم وساح ما اختزنته أجسادهم من شحم .. إلا واحدة بقيت صامتة ، يتهيأ للناظر إليها وكأنها نراقب جادة الطريق باهتمام مشوب بالحذر والعصبية والقلق ... مستحملة ما يتسرب ، عبر زجاج النافذة ، من شعاع شمس مؤذي للغاية . وهكذا مرت الدقائق في تثاقل وبطء كأنها زمنا تمطط ليبتدع من تلقاء نفسه التراجع ليبقى مع الحاضر ما أمكن له البقاء قبل انغماسه في مستقبل يعاود أثناءه نفس الإصرار على المكوث معه حاضرا متقدما ، مكسرا آليات مجبول على الانسياب معها بلا خيار ، ولا أي شيء مهما كان إلا الرضوخ . إنما هي الحاجة إلى التخلص من حالة من توحي بأن الزمن يطيل بقاؤها ليصرف مجهود استثنائي آخر بمحض إرادتنا ، لأننا من الضعف ما يؤكد رغبتنا في استعجال ما إن بقي يؤذينا . السائق يقذف لفافة تبغ ، كان يرتجف منها جرعات دخان يمتزج بياضه مع قرمزية ما ينفث جوفه ليغذو خيوطا معلقة بملايين الذرات يراقصها ريح حركته راحتي إنسان أراد بالفاعل إبعاد ما يلوث الجو عن تلك المساحة الضيقة . السائق يضع المفتاح حيث بإدارة طفيفة نحو اليمين يسمع هدير المحرك ، وكأنه حصان يصهل استعدادا للوثبات الأولى قبل انتظام ركوضه بمن يمتطي صهوته . في تلك الأثناء يحضر ثلاثة من الشرطة يتقدمهم مواطن يشير بخنصره صوب المرأة الوحيدة التي بقيت صامتة تراقب الطريق قلقة . وكلما تقدم ذاك المواطن خطوة داخل الحافلة بين الركاب، كلما ارتفع صوته مكررا: ـــ إنها هي بلحمها وشحمها. الهاربة مني بغير موجب حق . تقدموا ايها الشرطيون لترغموها على النزول من هذه الحافلة وتقديمها إلى العدالة
المرأة صامتة لا تتحرك يتهيأ للناظر لها وكأنها نراقب جادة الطريق باهتمام مشوب بالحذر والعصبية والقلق ، جلست مستحملة ما يتسرب عبر زجاج النافذة من شعاع شمسي مؤذي . اتجه رجال الشرطة نحوها ، وكلما اقتربوا منها عمتهم الدهشة الواحد تلو الآخر ، إلى أن تعالت ضحكات الجميع بما فيهم الركاب . إنها دمية اشترتها المحاذية لها لتعرضها في دكان الملابس الجاهزة التي تديره في المدينة الموالية
مصطفى منيغ
وبعـــــــــــــد...
صبيحة: أحببته.. هذا صحيح. كرهته هذا صحيح أيضا.لا أدري ؟ ... المهم ... حيالي أراه في كل زاوية، حتى وأنا حيث أنا منزوية .
الدكتور: وبعد ؟
صبيحة: لو عرفت لما زرتك يادكتور؟.
الدكتور: وبعد؟.
صبيحة: هل تسخر مني يا دكتور؟.
الدكتور: وبعد؟.
صبيحة: أمجنون أنت ؟.
الدكتور: وبعد؟
صبيحة: أطبيب نفسي أنت، أم مصيبة ، أم مريض معقد ؟
الدكتور: وبعد؟
نهضت "صبيحة" من السرير المهيأ بطريقة معتادة لدى الأطباء النفسانيين، واتجهت صوب الدكتور لتخنقه، وقد أصابتها نوبة عصبية حادة... لكن تحول غضبها بغتة إلى لحظة مرح لتتعالى ضحكاتها بكيفية جد مسموعة. فقد وجدته دمية مطاطية، سبق للكاتبة أن أكدت لها أن بمجرد ولوجها قاعة الاستشارة الطبية ستجد الدكتور جالسا ، فما عليها سوى الارتماء على السرير المعد خصيصا لنفس الغاية ، وتبدأ في الحديث ، أما الإجابات فكانت تتلقاها على لسان دكتور حقيقي ، صاحب العيادة ،الذي وقف خلف ستارة المكتب يراقب المريضة ، وفي اللحظة المناسبة يتدخل
مصطقى منيغ