لهذه الأسباب أحب مصر
في البال ابنتي أمال / الجزء الثالث
بقلم : مصطفى منيغ
أواسط الستينات كنت مقيما في هولندا و تحديدا في مدينة اوطريخت العاصمة العلمية لدولة الأراضي المنخفضة . أتيت إليها من مدينة عريقة أخرى هي بروكسيل ، التي انتقلت إليها من مدينة تاريخية هي باريس . واتيت إلى العاصمة الفرنسية هته من مدريد ... وهكذا هي عشرات الدول التي مشيت فيها مرفوع الرأس ، مصان الهمة معتمدا على خالقي سبحانه ،وقدراتي الذهنية والعلمية في مجال الصحافة والكتابات الأدبية عموما . لم اكتف بالعمل لزمن محدود بل كانت ساعات راحتي قليلة وقليلة جدا . استحضر هنا بضع كلمات واجهني بها صديق الصبا " محمد زوين " الذي جمعني وإياه القدر في تلك الشهور من سنة 1965 في نفس المدينة الهولندية حينما قال لي : الناس متجمعة في حجرات دافئة وأنت لم يمنعك حتى الثلج المتساقط بكثافة عن التجوال في هذا الجو المكفهر القارص بحثا عن تأسيس ما عجزت المؤسسات الرسمية على تأسيسه. بالفعل كان صادقا فالحكومة المغربية آنذاك لم تكن ممثلة بسفير أو قنصل ، كان علينا الالتجاء إلي سفارة المغرب في بروكسيل عاصمة المملكة البلجيكية للحصول على أي شهادة إدارية تخص مصلحة من مصالحنا المشروعة .لكن عكس ما كان يبدو مستحيلا للأخ الزوين أو غيره من الأصدقاء ومعظمهم لا زال على قيد الحياة . فقد استطعت وصديقي الدكتور " باوس "( وكان ساعتها محاميا مستشارا لوزارة العدل الهولندية ) وأيضا بالمجهود الذي بذلته معي الآنسة " لدوين سنبول " التي لا زلت لحد الساعة أكن لها ولأسرتها الاحترام والمودة ، أن أؤسس أول جمعية تهتم بشؤون الجالية المغربية المقيمة بالمملكة الهولندية في التاريخ ، بل ونشر أول مجلة ناطقة باسمها تحت عنوان " الصداقة " ،اعتقد أن مكتبنا الذي تركته في 10 شارع "اود خرارته" لا زال يحتفظ في إحدى حزاناته، بنسخة من العدد الأول للمجلة المذكورة ، وأيضا استطعت أن اسمع مرضانا في المستشفيات صوتنا كمغاربة فارضين بأسلوب حضاري وجودنا في إذاعة "هلبرسم" الهولندية الشهيرة . ولا أخفي بالمناسبة شعوري بالمرارة حينما كنت أسمع أن" فلانا " أسس أول فرع لودادية العما ل هناك . كان بوسعي أن أؤكد ومعي كل الأخوة وعلى رأسهم الصديق العزيز " محمي سليمان " الموظف بمصلحة الضمان الاجتماعي حينما عاد بصفة نهائية ليستقر في مدينة الدار البيضاء ،ان كل ادعاء يستثني مجموعة من الأسماء وعلى رأسهم العبد لله ،مصطفى منيغ ، مجرد تظاهر سياسي الغرض منه تسخير التاريخ المرتبط بعرق الجالية المغربية الشريف لمصالح لم تعد تنطلي حيلها على أحد . استرجع كل هذا وابنتي أمال في أرض المهجر، ربما تقرا مثل المعلومات عني لأول مرة فتحس أن الغربة الحقيقية هي غربتي شخصيا في بلد أفنيت في بناء بيت سمعته داخل العديد من الدول أحلى أيام شبابي لأرى اليوم فيه ما إن كتبت بصراحة أكبر عنه لن تجدن الوطنيين جميعهم إلا وقد صرخوا بصوت واحد : اللهم هذا منكر . كيف ؟ ...( يتبع)

في البال ابنتي امال / الجزء الثاني
كتب : مصطفى منيغ
ربطني الحنين الأبوي بأكثر من خيط منسوج بالود الصافي النقي بابنتي أمال وهي تكبر يوما وراء يوم أمام عقلي و مقلتاي، اسعد وأنا الكبير لسعادتها وهي الصغيرة،أتألم أنا الأب بآلامها وهي الابنة . سعادتي أراها في تلك اللحظات التي كنت ألج فيها البيت وقد أخذ مني العلياء كل مأخذ فأجدها في انتظاري معلنة عن ترحابها بمقدمي على كيفيتها الخاصة التي تنزع مني الضحك مقهقها وهي تبحث بواسطتها عن فرض مكانتها داخل قلبي بحجم يتوسع مع مرور الزمن . كانت تأخذ بأطراف " طاقيتي " وتحاول جاهدة جلبها لتغطي جبهتي بالكامل مستهدفة حجب الرؤية علي بتمديد رقعة الطاقية لتشمل عيناي ، تعيد الكرة إن فشلت غير عابئة برجاء والدتها أن تتركني حتى انهي تناول الطعام أو احتساء كوب من قهوة محضرة على الطريقة الوجدية المعتبرة التي ما رضيت احتساء غيرها على امتداد سنوات طوال من عمري. وآلامي أحس بها عندما افتقدها ولو لنصف يوم ، مهما سافرت ومهما رحلت لا يهدأ لي بال حتى اعلم بواسطة الهاتف أنها بكل خير . حتى أصدقائي كانوا يبادرونني بالسؤال عن أحوالها في أدب جم ليقينهم مدي معزتها ، بل أهمية مكانتها في وجداني كأب يشقى ليجنب أسرته الصغيرة كل خصاص ومن أي نوع كان . هكذا كان دورنا نحن الإباء في المغرب قاطبة، كرامتنا في كرامة بيتنا ومن فيه،وشرفنا هو أيضا من شرف بيتنا وأهلنا داخله.كنا قدرين على تحمل المسؤولية الكاملة لينشأ الطفل المغربي أو الطفلة المغربية النشأة القويمة المشبعة بعزة النفس والذود حتى عن محيطها بما يكفل المحافظة على الأصل النظيف بنظافة أزيد . وحتى هذا اليوم الذي بدد سكونه الحديث الممل عن "الحداثة " و"المعاصرة " و " مبادرة التنمية البشرية " وعناوين ،وشعارات من هذا القبيل لم تجد نجاحا ولا قبولا عند عامة الشعب المغربي العظيم حينما عايشت ( هذه العامة ) " المسخ " وهو يتنقل بلا حياء بين حارات وأزقة بعض المدن المغربية يضيف لمصائب وويلات تتراكم بمرور الدقائق ولا أقول الساعات ، ما يصعب الحل، حتى هذا اليوم إلى الغد بمشيئة الرحمن، نتضرع إلى الباري الحي القيوم ، أن يحفظ الشعب المغربي الأبي الأصيل ، مما يخطط له من نقلة لا هي من شيمه ولا من منهجية تربية أجياله، ومنها الجيل الحالي،الذي ولا شك يقف من يقف فيه،صامدا مناضلا كسد حابس للفساد والمفسدين الزاحفين بمباركة من اختاروا الوقوف جنب أباليس عبدة الجاه الأجوف الجاف ، و الإمكانات المادية الصادرة عن مجون الانحراف . حتى هذا اليوم و قد وصلنا مراحل متقدمة في السن نؤكد إصرارنا في الدفاع عن حقوق المغاربة أينما وجدوا كمغاربة ، رجالا ونساءا ، لا فرق، كامتداد لخمسة عشرة قرنا من الأمجاد والمواقف المشرفة المنقوشة بالفخار والعزة على جبين التاريخ الإنساني العريق ، وكحضور حضاري مشهود له بالإبداع المرافق للاجتهاد المباح شرعا . طبعا ابنتي العزيزة الغالية امال لن تحس بالغربة التي أحسست بها وأنا في مثل سنها مقيم في مدينة البندقية الإيطالية ، لأنني واثق أن اختيارها لشريك حياتها كان اختيارا موفقا أساسه طاعة الله ،وبناء أسرة متماسكة سعيها مع الحلال يضفي عليها هالة من وقار، يتخذ في تلك الديار، قدوة ونموذجا محمودا يعكس حقيقة نبل وشهامة وشجاعة المغاربة الأحرار. (يتبع)
